الشوكاني

376

فتح القدير

قوله ( قال آمنتم له ) يقال آمن له وآمن به ، فمن الأول قوله - فآمن له لوط - ، ومن الثاني ، قوله في الأعراف - آمنتم به قبل أن آذن لكم - وقيل إن الفعل هنا متضمن معنى الاتباع . وقرئ على الاستفهام التوبيخي : أي كيف آمنتم به من غير إذن مني لكم بذلك ( إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ) أي إن موسى لكبيركم : أي أسحركم وأعلاكم درجة في صناعة السحر ، أو معلمكم وأستاذكم كما يدل عليه قوله ( الذي علمكم السحر ) قال الكسائي : الصبي بالحجاز إذا جاء من عند معلمه قال : جئت من عند كبيري . وقال محمد بن إسحاق : إنه لعظيم السحر . قال الواحدي : والكبير في اللغة الرئيس ، ولهذا يقال للمعلم الكبير . أراد فرعون بهذا القول أن يدخل الشبهة على الناس حتى لا يؤمنوا ، وإلا فقد علم أنهم لم يتعلموا من موسى ، ولا كان رئيسا لهم ، ولا بينه وبينهم مواصلة ( فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ) أي والله لأفعلن بكم ذلك ، والتقطيع للأيدي والأرجل من خلاف هو قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ، ومن للابتداء ( ولأصلبنكم في جذوع النخل ) أي على جذوعها كقوله - أم لهم سلم يستمعون فيه - أي عليه ، ومنه قول سويد بن أبي كاهل : هم صلبوا العبدي في جذع نخلة * فلا عطست شيبان إلا بأجدعا وإنما آثر كلمة " في " للدلالة على استقرارهم عليها كاستقرار بكر المظروف في الظرف ( ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى ) أراد لتعلمن هل أنا أشد عذابا لكم أم موسى ؟ ومعنى أبقى أدوم ، وهو يريد بكلامه هذا الاستهزاء بموسى ، لأن موسى لم يكن من التعذيب في شئ ، ويمكن أن يريد العذاب الذي توعدهم به موسى إن لم يؤمنوا ، وقيل أراد بموسى رب موسى على حذف المضاف ( قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ) أي لن نختارك على ما جاءنا به موسى من البينات الواضحة من عند الله سبحانه كاليد والعصا ، وقيل إنهم أرادوا بالبينات ما رأوه في سجودهم من المنازل المعدة لهم في الجنة ( والذي فطرنا ) معطوف على ما جاءنا أي لن نختارك على ما جاءنا به موسى من البينات وعلى الذي فطرنا : أي خلقنا ، وقيل هو قسم : أي والله الذي فطرنا لن نؤثرك ، أو لا نؤثرك ، وهذان الوجهان في تفسير الآية ذكرهما الفراء والزجاج ( فاقض ما أنت قاض ) هذا جواب منهم لفرعون لما قال لهم لأقطعن الخ ، والمعنى : فاصنع ما أنت صانع ، واحكم ما أنت حاكم ، والتقدير : ما أنت صانعه ( إنما تقضى هذه الحياة الدنيا ) أي إنما سلطانك علينا ونفوذ أمرك فينا في هذه الدنيا ولا سبيل لك علينا فيما بعدها ، فاسم الإشارة في محل نصب على الظرفية أو على المفعولية وما كافة ، وأجاز الفراء الرفع على أن تجعل ما بمعنى الذي : أي أن الذي تقضيه هذه الحياة الدنيا فقضاؤك قد وحكمك منحصر في ذلك ( إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ) التي سلفت منا من الكفر وغيره ( وما أكرهتنا عليه من السحر ) معطوف على خطايانا : أي ويغفر لنا الذي أكرهتنا عليه من عمل السحر في معارضة موسى فما في محل نصب على المفعولية وقيل هي نافية ، قال النحاس : والأول أولى . قيل ويجوز أن يكون في محل رفع بالابتداء والخبر مقدر : أي وما أكرهتنا عليه من السحر موضوع عنا ( والله خير وأبقى ) أي خير منك ثوابا وأبقى منك عقابا ، وهذا جواب قوله : ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى ( إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى ) المجرم هو المتلبس بالكفر والمعاصي ، ومعنى لا يموت فيها ولا يحيى أنه لا يموت فيستريح ولا يحيى حياة تنفعه . قال المبرد : لا يموت ميتة مريحة ولا يحيا حياة ممتعة ، فهو يألم كما يألم الحي ويبلغ به حال الموت في المكروه إلا أنه لا يبطل فيها عن إحساس الألم ، والعرب تقول : فلان لا حي ولا ميت إذا كان غير منتفع بحياته ، وأنشد ابن الأنباري في مثل هذا : ألا من لنفس لا تموت فينقضي * شقاها ولا تحيا حياة لها طعم